في عالم تتداخل فيه السياسة والثقافة والسياحة، لم تعد القوة تُقاس فقط بالاقتصاد أو العتاد العسكري، بل باتت القوة الناعمة – القائمة على الثقافة والتاريخ والهوية – أحد أهم أدوات التأثير الدولي. ومصر، صاحبة أقدم حضارة عرفها التاريخ، تمتلك رصيدًا فريدًا في هذا المجال، يضعها على رأس الدول القادرة على صناعة التأثير الحضاري.
وفي قلب هذه المعادلة يأتي المتحف القومي للحضارة المصرية، الذي تحول من مؤسسة ثقافية تقليدية إلى منصة استراتيجية تجمع بين السياحة الثقافية والسياسة العامة والدبلوماسية الناعمة.
منصة حضارية ضمن برامج الزيارات الرسمية
المتحف أصبح بالفعل قبلة رئيسية لكبار ضيوف الدولة، حيث يُدرج ضمن برامج الزيارات الرسمية، وخاصة ما يضمه من قاعات استثنائية مثل قاعة المومياوات الملكية.
هذه الزيارات لا تقتصر على الجانب السياحي أو الثقافي، بل تشكل رسالة حضارية ودبلوماسية مصرية قبل أي نقاش سياسي، تؤكد أن مصر دولة حضارة ووعي واستمرارية، قادرة على مخاطبة العالم بلغة التاريخ والمعرفة.

إدارة واعية تقود التحول المؤسسي
لا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الإشارة إلى الدور القيادي البارز للدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، الذي يقود المؤسسة برؤية واضحة تجمع بين:
-
الحفاظ على الإرث الحضاري والتاريخي
-
التطوير المؤسسي والإداري
-
تعزيز الموارد المالية والبشرية
-
الانفتاح الواعي على المجتمع المحلي والدولي
وقد أسفرت هذه الإدارة الاحترافية عن نتائج ملموسة، من بينها نمو أعداد الزائرين الأجانب بنسبة 13% خلال عام 2025، وهو مؤشر على تحسن الصورة الذهنية لمصر عالميًا.

القوة الناعمة عبر السياحة الثقافية
الزائر الأجنبي للمتحف لا يشتري تذكرة فحسب، بل يغادر حاملاً:
-
سردية حضارية متكاملة
-
انطباعًا إيجابيًا عن الدولة المصرية
-
رسالة ثقافية تنتقل إلى مجتمعه ووسائل إعلام بلاده
وهنا تتجلى القوة الناعمة في أعمق صورها: تأثير هادئ ومستدام، يتجاوز الأرقام والإحصاءات، ويضع مصر في موقع الريادة الثقافية على المستوى الدولي.
المتحف كخط دفاع ناعم عن الهوية المصرية
التحول الأهم الذي يشهده المتحف هو انتقاله من كونه مساحة عرض للماضي، إلى مؤسسة تصنع الرواية المصرية المعاصرة عن الحضارة، وتقدمها للعالم بلسان مصري علمي وموضوعي، في مواجهة أي محاولات لإعادة كتابة التاريخ أو مصادرته.
بهذا يصبح المتحف خط دفاع ناعم عن الهوية الوطنية، مدعومًا بالمعرفة، والعرض الاحترافي، والبحث العلمي.
المتحف والاقتصاد الإبداعي والمحتوى الرقمي
يمتلك المتحف إمكانيات هائلة لأن يكون محركًا للاقتصاد الإبداعي، من خلال:
-
دعم الصناعات الثقافية والحرف التراثية
-
ربط التراث بالتصميم والفن المعاصر
-
تطوير منتجات ثقافية ومعرفية مبتكرة
-
الاستثمار في المحتوى الرقمي متعدد اللغات لجذب اهتمام عالمي
وهكذا تتحول الحضارة المصرية من ماضٍ محفوظ إلى رأس مال ثقافي واقتصادي معاصر، يعزز من مكانة مصر على الخارطة العالمية.
القوة الناعمة تبدأ من الداخل
على المستوى الداخلي، يلعب المتحف دورًا جوهريًا في ترسيخ الهوية الوطنية والوعي الحضاري لدى الأجيال الجديدة، عبر ربطهم بتاريخهم وهويتهم، مما يجعل القوة الناعمة أساسها المواطن المثقف الواعي قبل أن تصدر إلى الخارج.
توظيف الحضارة في خدمة الدولة الحديثة
إن المتحف القومي للحضارة المصرية، بقيادة وإدارة علمية محترفة للدكتور الطيب عباس، يمثل اليوم أداة استراتيجية متكاملة تربط بين السياحة والثقافة والسياسة، وتعمل على تعزيز القوة الناعمة لمصر داخليًا وخارجيًا.
ومع استمرار هذا النهج، يصبح المتحف نموذجًا وطنيًا يُحتذى به في توظيف الحضارة في خدمة الدولة الحديثة، وصناعة صورة ذهنية قوية ومستدامة لمصر على مستوى العالم.


