
لم تعد السياحة في عالم اليوم مجرد رحلة ترفيهية أو نزهة عابرة، بل صارت صناعة متكاملة تقاس بها قوة الاقتصادات ومكانة الأمم. الدول التي أدركت مبكراً قيمة ما تمتلكه من طبيعة وثروات وتراث، استطاعت أن تحولها إلى مشاريع استثمارية ناجحة تدر الدخل وتوفر فرص العمل، وتمنح صورة مشرقة عن أوطانها في عيون الزائرين.
إن عالمنا العربي يزخر بمقومات طبيعية وثقافية ثرية وفريدة، من الشواطئ الممتدة إلى الجبال والصحاري والمدن العريقة، لكن هذه الثروات كثيراً ما تبقى أسيرة المكان لغياب الرؤية الاستراتيجية، أو لوجود ممارسات وسلوكيات تقلل من جاذبية التجربة السياحية.
فالزائر لا يبحث فقط عن جمال الطبيعة، أو عراقة التاريخ، بل يتطلع إلى معاملة راقية، وسلوك حضاري يعكس صورة الوطن وقيمه. وهنا تكمن الحاجة الملحة إلى تغيير بعض العادات السيئة التي قد تنفر السياح أو تقلل من شغفهم بالعودة، بدءاً من طرق التعامل، مروراً بجودة الخدمة، وانتهاءً باحترام خصوصية الضيف.
ولذلك، فإننا تطوير السياحة لا يتحقق بإنشاء المرافق والفنادق وحدها، بل يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان أولاً.
ومن هنا تأتي أهمية إخضاع أصحاب المحلات التجارية والعاملين في القطاعات السياحية ممن يتعاملون مباشرة مع الزوار، إلى دورات تثقيفية وتطويرية تصقل مهاراتهم في التواصل، وتغرس فيهم قيم ثقافة احترام السائح، وتعرفهم بأساليب قطاع الضيافة الراقية التي تجعل من كل زائراً سفيراً ينقل أجمل صوره عن المكان. إن الاستثمار في هذه الكوادر لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية، بل قد يكون العامل الحاسم في جذب السياح أو نفورهم.
ولا يمكن الحديث عن السياحة دون التطرق إلى شركات الطيران والفنادق وقطاع السكن، في حين يرتفع الطلب على وجهة معينة ترتفع الأسعار أحياناً بصورة مبالغ بها، سواء في التذاكر أو الإقامة أو الخدمات، مما يدفع السائح إلى النفور والبحث عن بدائل أخرى.
لقد أدركت بعد الدول الذكية إن الاستثمار الحقيقي يقوم على التوازن لا على الاستغلال، فبادرت إلى تقديم عروض ذكية وأسعار مدروسة تجذب السائح، بدلاً من أن تطرده وتكسب ولائه على المدى الطويل بدل أن تخسره في زيارة واحدة.
يا سادة، إنها منظومة واحدة تبدأ من لحظة تفكير السائح في الحجز وتنتهي عند مغادرته بانطباع إيجابي يدفعه للعودة من جديد. فلا نجاح لسياحة حقيقية من دون تكاتف جميع العناصر المرتبطة بها: الطيران، الفنادق، المطاعم، المواصلات، المتاجر، والخدمات العامة. إنها سلسلة مترابطة إذا اختل أحد حلقاتها ضاعت الفرصة، وإذا تكاملت صنعت نهضة سياحية تُثري الاقتصاد وتبني سمعة عالمية راسخة.
إن السياحة رأسمال متجدد، وإذا أردنا لها أن تكون صناع راسخة في عالمنا العربي، فعلينا أن نغير من أنفسنا أولاً، ونبني تجربة سياحية لا تقوم على المكان وحده، بل على الإنسان الذي يجسد قيم الضيافة، وعلى منظومة متكاملة تدير مواردنا بذكاء وعدالة، عندها فقط سنصنع سياحه تنعش الاقتصاد وترتقي بالمجتمع، وتمنح أوطاننا صورة تليق بتاريخها وحاضرها.



