بأقلامهم

” الدكتور محمد عبد المنعم صالح ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : الأعشاب البحرية.. رئة خفية تنقذ كوكب الأرض من الاختناق المناخي

في يوم 22 ديسمبر، 2025 | بتوقيت 11:00 صباحًا

﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلًا﴾
صدق الله العظيم – سورة الإسراء (آية 70)

لطالما وُصفت الغابات الاستوائية المطيرة بأنها «رئة كوكب الأرض»، لما لها من دور محوري في امتصاص كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون وإطلاق الأكسجين إلى الغلاف الجوي. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة كشفت عن وجود رئتين أكثر اتساعًا وكفاءة، لا تقعان فوق اليابسة، بل في أعماق محيطاتنا وبحارنا.

حدائق تحت الماء.. مخازن كربون تفوق الغابات

تمثل الأعشاب البحرية — أو ما يُعرف بالمروج والحدائق البحرية — مساحات شاسعة من النباتات المغمورة بالمياه، تمتد على طول السواحل في مختلف أنحاء العالم. وتؤكد الدراسات الحديثة أن هذه النظم البيئية قادرة على امتصاص الكربون بمعدل يفوق الغابات الاستوائية المطيرة بنحو 35 مرة، ما يجعلها من أكثر الأنظمة الطبيعية فاعلية في مواجهة التغير المناخي.

ورغم أن النظم البيئية الساحلية تُعد من أكبر أحواض الكربون الأزرق على كوكب الأرض، فإن معرفتنا العلمية لا تزال محدودة بشأن الآليات الدقيقة التي تمنحها هذه الكفاءة العالية في الإنتاجية واحتجاز الكربون.

اكتشاف بكتيريا بحرية تغيّر قواعد اللعبة

في هذا السياق، كشفت دراسة علمية حديثة أُجريت في البحر الأبيض المتوسط عن اكتشاف نوع جديد من البكتيريا يُعرف باسم  Celeinata ntimonas neptuna (C. neptuna)، يتمتع بقدرة فريدة على تحويل غاز النيتروجين إلى مركبات غذائية صالحة لاستخدام النباتات البحرية في عملية التمثيل الضوئي، على غرار ما يحدث في النباتات البرية.

وتركزت الدراسة على نوع محدد من الأعشاب البحرية المتوسطية، نظرًا لوجود أقارب بكتيريا C. neptuna في معظم بحار العالم، ما يشير إلى أن هذا الدور الحيوي قد يكون ظاهرة عالمية وليس استثناءً محليًا.

شراكة تكافلية غير مسبوقة

يوضح عالم الأحياء الدقيقة البحرية ويبك موهر، من معهد ماكس بلانك لعلوم الأحياء الدقيقة البحرية في بريمن – ألمانيا، أن ما يُعرف بـ*«النيتروجين الثابت»* الذي تعتمد عليه الأعشاب البحرية لا يأتي من الرواسب وحدها، بل من بكتيريا تعيش داخل جذور هذه النباتات نفسها.

وباستخدام تقنيات مجهرية متقدمة ومواد صبغية متخصصة، تمكن الباحثون من تتبع أنواع البكتيريا التي تعيش داخل وحول الخلايا الجذرية للأعشاب البحرية، ليتضح أن هذه البكتيريا لا تعيش فقط في محيط الجذور، بل داخل أنسجتها الحيوية.

قدرة استثنائية على تخزين الكربون

وأظهرت نتائج الدراسة أن الأعشاب البحرية قادرة على تخزين أكثر من ثمانية أضعاف كمية ثاني أكسيد الكربون مقارنة بغيرها من النظم البيئية الساحلية. كما تبين أن الميكروبيوم الموجود داخل جذور الأعشاب يختلف جذريًا عن ذلك الموجود في الرواسب الرملية المحيطة بها.

ولوحظت زيادة ملحوظة في تركيز بكتيريا C. neptuna داخل الجذور خلال فصل الصيف، وهو التوقيت الذي يرتفع فيه الطلب النباتي على النيتروجين. وبمجرد تثبيت هذا العنصر داخل الجذور، ينتشر سريعًا في جميع أجزاء النبات.

ويُرجح العلماء وجود علاقة تكافلية متبادلة، حيث تمد الأعشاب البحرية هذه البكتيريا بالسكريات والطاقة، مقابل إمدادها بالنيتروجين اللازم للنمو، وهي علاقة لم تكن معروفة من قبل في البيئات البحرية.

دور تاريخي في تطور الحياة النباتية

ويذهب الباحثون إلى أن هذه الكائنات الدقيقة المثبتة للنيتروجين ربما لعبت دورًا حاسمًا في التاريخ التطوري للنباتات، حيث ساعدت أسلاف C. neptuna وأقاربها من النباتات المزهرة على استعمار البيئات الفقيرة بالنيتروجين، سواء على اليابسة أو في البحار، وأسهمت في تكوين نظم بيئية عالية الكفاءة فيما يُعرف بـالكربون الأزرق.

تحذير بيئي عاجل

وفي ظل تفاقم أزمة المناخ العالمية، تبرز الأعشاب البحرية كخط دفاع طبيعي لا غنى عنه. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أننا ندمّر المروج والحدائق البحرية بمعدلات تفوق تدمير الغابات الاستوائية المطيرة، بسبب التوسع العمراني الساحلي، والتلوث، والصيد الجائر، والتغيرات الحرارية.

ويؤكد العلماء أن حماية الأعشاب البحرية لم تعد ترفًا بيئيًا، بل ضرورة استراتيجية لمواجهة الاحتباس الحراري، والحفاظ على التوازن البيئي البحري، وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.

﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس… لآيات لقوم يعقلون﴾
صدق الله العظيم – سورة البقرة (آية 164)

نسأل الله السلامة لجميع أفراد المجتمع .

نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، وهو سبحانه الموفق والمستعان.

✍️  كاتب المقال

الدكتور محمد عبد المنعم صالح

Email :[email protected]

 رئيس مجلس إدارة المنتدى العالمى لخبراء السياحة

دكتوراه العلوم الطبية البيئية – جامعة عين شمس

خريج الكلية الحربية المصرية –الدفعة 25 اطباء –1974

ماجستير الميكروبيولوجيا الطبية والوبائيات –الأكاديمية الطبية العسكرية

استشاري صحة البيئة والميكروبيولوجيا الطبية

إستشارى تدريب صحة وسلامة الغذاء بغرفة المنشات الفندقية

إستشارى برنامج التوعية الصحية ضد كوفيد -19

إستشارى تدريب الإدارة البيئية للفنادق ( الفنادق الخضراء )

إستشارى التدريب علي التنافسية في القطاع السياحي ، تابع لمنظمة العمل الدولية

إستشارى التدريب في منظمة الفنادق والنزل الأمريكية ، سابقاً

إستشارى التدريب في كلية أدنبره “اسكتلندا” سابقاً

عضو جمعية الباجواش المصرية

عضو لجنة جودة التعليم وأخلاقيات البحث العلمي ، كلية السياحة والفنادق، جامعة المنصورة

عضو لجنة جودة التعليم في الرقابة علي الأغذية-كلية الطب البيطري،  جامعة بنها سابقاَ

لمزيد من المقالات للكاتب  إدخل على الرابط التالى 

https://elmahrousanews.com/?s=%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF+%D8%B9%D8%A8%D8%AF+%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B9%D9%85+%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD