
ثلاث سنوات قضيتها ملحقاً عسكرياً لمصر في تركيا، في العاصمة أنقرة، التي تُعد العاصمة السياسية، بينما تعرف إسطنبول بأنها العاصمة التاريخية، التي يقع فيها جامع السلطان أحمد، أو كما يسميه الأجانب “الجامع الأزرق”، والذي يُعتبر أحد أشهر معالم المدينة، ويشبه جامع محمد علي في القلعة، وقد بناه العمال المصريون في عهد الدولة العثمانية.
خلال فترة وجودي في تركيا، كانت البلاد لا تزال تعيش في عصر الزعيم أتاتورك، الذي أسس لأن تكون تركيا دولة علمانية، حتى أن أذان المغرب لم يكن يُذاع في التلفزيون أو الراديو طوال العام، إلا في شهر رمضان فقط. أما “العيش البلدي” كما نسميه في مصر، فكان يتم تصنيعه فقط في شهر رمضان، ويُطلق عليه هناك اسم “البيتا”.
ولمن يريد أن يشعر بأجواء رمضان، التي اعتدنا عليها في مصر، فكان لابد وأن يزور القرى التركية البسيطة، التي كان أهلها يحافظون على الطقوس والعبادات، أما في أنقرة، فكانت ملامح شهر رمضان تقتصر على إذاعة آذان المغرب، وإنتاج العيش البلدي، والقطايف، رغم شهرة الحلويات التركية، كالبقلاوة والكنافة وأصابع الوزير، الشبيهة لحلوى أصابع زينب في مصر، إلا أنها أكبر في الحجم، إلا أنها لا ترتبط بشهر رمضان.
ومثلما تتجلى صور التكافل الاجتماعي، في عموم مصر، خلال شهر رمضان، بإقامة موائد الرحمن، كان لتركيا تقليداً مختلفاً، ولا يظهر إلا في قراها، حيث يتكفل كل يوم شخص بتنظيم الإفطار لكل أهل القرية، لكن ليس في صورة موائد، بل في شكل أطباق وأوانٍ تُوزع على الأسر الأكثر احتياجاً. أما في محلات ومطاعم وسط العاصمة أنقرة، وبالذات في منطقة “كيزلاي”، التي تشبه منطقة الحسين في مصر، فكانت تلك المطاعم تقدم، يومياً، أطباقاً، توضع أمام المحلات ليأخذها البسطاء والفقراء خلال شهر رمضان، أما في باقي مدن تركيا فكانت الفنادق والمطاعم تعمل بصورة طبيعية، دون ارتباط بالتوقيتات الخاصة بالشهر الفضيل.
كما يُحكى أنه منذ سنوات طويلة، زار الشيخ عبد الباسط عبد الصمد جامع السلطان أحمد في إسطنبول، لتلاوة القرآن وإمامة المصلين في صلاة التراويح، فشهدت المدينة حدثاً غير مسبوق، إذ تجمع نحو مليوني شخص للصلاة والاستماع لتلاوته، وامتلأت الشوارع والأزقة حول الجامع بالمصلين، الذين جاؤوا من كل أنحاء تركيا، يحمل كل منهم وجبتيه للإفطار والسحور، وظلوا في أماكنهم حتى الفجر ليستمعوا إليه، وهو ما كان سبباً لمنع الحكومة التركية لأي قارئ مصري من الحضور لتلاوة القرآن في رمضان.
كانت تلك بعض من ذكرياتي الرمضانية، في تركيا، ويبقى لرمضان في مصر مذاق خاص يشهد به كل من قضى ولو بعض من أيامه فيها.
Email: sfarag.media@outlook.com