أخباربأقلامهممقالات الخبير الدولى علاء خليفة

الخبير الدولى ” علاء خليفة ” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : كيف تُوجّه السلوك الاستهلاكي للسائحين ..وكيف تُشكّل سمعة المقاصد السياحية؟

في يوم 1 أبريل، 2025 | بتوقيت 2:00 مساءً

في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات، ويُشكّل الرأي الجماعي قوة لا يُستهان بها، أصبحت عقلية القطيع (Herd Mentality) أداة تسويقية فعالة، تُستخدم بذكاء في التأثير على سلوك المستهلك وتوجيه قراراته الشرائية. تتضاعف أهمية هذا التأثير في مجال تسويق المقاصد السياحية الدولية، حيث تلعب السمعة الرقمية والتجربة السياحية المشتركة دورًا حاسمًا في جذب السائح أو إبعاده.

ما هي عقلية القطيع السلوكي؟

عقلية القطيع هي ظاهرة نفسية واجتماعية تدفع الأفراد إلى تقليد سلوك الآخرين في محيطهم، حتى لو تعارض ذلك مع قناعاتهم الشخصية. في السياق التسويقي، تعني ميل المستهلك لاتخاذ قراراته بناءً على ما يفعله أو يختاره “الآخرون”، وليس بناءً على تحليله الفردي.

إحصائيات تُبرهن قوة القطيع في التسويق

  • 92% من المستهلكين يثقون في التوصيات من الأصدقاء والعائلة أكثر من أي شكل آخر من أشكال الإعلان.
  • 88% من المستهلكين يتأثرون بالمراجعات والتقييمات الرقمية عند اتخاذ قرار الشراء أو الحجز.
  • في مجال السياحة، أظهرت دراسة أجرتها TripAdvisor أن المقاصد التي تتجاوز تقييم 4.5 نجوم تشهد زيادة تصل إلى 30% في حجوزات الإقامة مقارنة بالمقاصد ذات التقييمات المنخفضة.
  • في تقرير صادر عن Booking.com، ذكر أكثر من 75% من المستخدمين أنهم يختارون وجهتهم القادمة بناءً على ما شاهدوه في منشورات الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي.

عقلية القطيع وسلوك المسافر: كيف تؤثر؟

حين يرى الفرد أن الآلاف من الأشخاص اختاروا زيارة وجهة معينة، أو أن “الكل” يتحدث عن تجربة ساحرة في مكان معين، يتولد لديه شعور داخلي بالرغبة في خوض نفس التجربة، دون أن يُحلل جودة الوجهة أو ملاءمتها له.

وهذا السلوك النفسي يتجلى في:

  • حجز فنادق بناءً على تقييمات الآخرين.
  • اختيار وجهات سياحية مشهورة حتى لو كانت خارج الاهتمام الشخصي.
  • مشاركة نفس الأنشطة أو الصور التي شاركها الآخرون على إنستغرام أو تيك توك.

العميل المستهدف اليوم لا يرى المحتوى فقط… بل يقرأ ما يقوله الآخرون عنه

في عالم يعتمد على التفاعل قبل القرار، لم يعد المحتوى التسويقي كافيًا لإقناع العميل المحتمل، حتى لو كان مصممًا باحترافية. فالمستهلك اليوم لا يكتفي بمشاهدة الإعلان أو الفيديو أو الصورة، بل يتجه مباشرة إلى قراءة التعليقات، ومتابعة ما يقوله الآخرون عن التجربة، ومدى تفاعلهم معها.

هذه النقلة في السلوك تُعزز تأثير عقلية القطيع بشكل مباشر. فالتعليقات، التقييمات، ونقاشات المتابعين أصبحت تُشكل ما يُعرف بـ”الهوية الرقمية” للعلامة أو الوجهة السياحية. عندما يرى المستخدم مئات التعليقات الإيجابية، ومشاركات التجربة بحماس، يتولد لديه شعور بالأمان والرغبة في خوض نفس التجربة. أما إن كانت التعليقات سلبية أو غائبة تمامًا، فغالبًا ما يفقد الاهتمام، مهما كان المحتوى جذابًا.

85% من المستخدمين حول العالم صرّحوا في دراسة حديثة أجرتها BrightLocal أنهم يثقون في التقييمات على الإنترنت بقدر ثقتهم في التوصيات الشخصية، بينما يُعد غياب التعليقات أو ضعف التفاعل مؤشرًا سلبيًا عند أكثر من 70% من العملاء المحتملين.

وهذا يضع أمام المسوقين تحديًا جديدًا: لم يعد الهدف فقط صناعة محتوى مبهر، بل خلق حالة من التفاعل الاجتماعي حوله، تُغذي عقلية القطيع وتدفع بالمستخدمين إلى اتخاذ قرار الشراء أو الحجز بناءً على رأي “الجماعة”.

تطبيق عقلية القطيع في تسويق المقاصد السياحية

تُعد السياحة من أكثر القطاعات في العالم  تأثرًا بعقلية القطيع، ليس فقط من حيث الحجز والزيارة، بل من حيث تكوين الانطباع المسبق عن الوجهة. هنا يأتي دور المسوقين لاستغلال هذه الظاهرة بذكاء، من خلال استراتيجيات مثل:

  1. بناء سمعة رقمية قوية للمقصد

السائح اليوم لا يثق في الصور الترويجية بقدر ما يثق في تجارب الآخرين. لذا، فإن تشجيع الزوار على مشاركة تجاربهم الإيجابية، ورفع تقييماتهم على مواقع السفر، هو أحد أهم مفاتيح تسويق الوجهات.

  1. التسويق عبر المؤثرين (Influencer Marketing)

عندما يقوم مؤثر شهير بزيارة مقصد سياحي ويشارك رحلته على السوشيال ميديا، فإن أتباعه يميلون لتكرار نفس التجربة. وهنا تعمل عقلية القطيع دون أن يشعر المتابع.

  1. إنشاء حالة من “FOMO” (الخوف من فوات الفرصة)

“الكل راح المالديف… وأنت؟”

هذا النوع من الرسائل يُحفّز عقلية القطيع بقوة. إذ يشعر المستخدم بأنه “متأخر” أو “خارج التيار”، فيرغب في الانضمام إلى الركب بسرعة.

  1. عرض إحصائيات الزوار وتفاعلهم

إظهار أن مئات الآلاف زاروا وجهة معينة أو أن هناك زيادة بنسبة معينة في الحجوزات يخلق شرعية اجتماعية (Social Proof) ويحفّز الرغبة في التقليد.

٢- التجربة السياحية المشتركة: الوقود الخفي لعقلية القطيع: 

أصبحت التجربة السياحية الرقمية قابلة للمشاركة الفورية. صور الطعام، مناظر الطبيعة، مقاطع الفيديو في المواقع التراثية… كلها تُنشر على الفور وتُحدث أثرًا جماعيًا يجعل الوجهة “تريند”. هذه المشاركات تخلق ما يُسمى بـ”الذاكرة الجماعية الرقمية” للمقصد، وهي التي تُرسم في أذهان ملايين المستخدمين، حتى دون زيارتهم الفعلية.

من “سمعة” إلى “علامة”: عقلية القطيع وصناعة الأسطورة السياحية: 

مع الوقت، تتحول بعض المقاصد إلى علامات سياحية عالمية (Tourism Icons) ليس بالضرورة لأنها الأجمل أو الأرخص، بل لأنها ببساطة الأكثر زيارة، الأكثر مشاركة على الإنترنت، والأكثر انتشارًا في الحوارات الرقمية. عقلية القطيع تعزز هذا المسار وتُبقي الوجهة على القمة.

عقلية القطيع في سياحة المغامرات والسياحة الثقافية: من التقليد إلى الشغف الجماعي:

من المثير أن نلاحظ كيف امتد تأثير عقلية القطيع إلى أنماط سياحية كانت تُعتبر في السابق “نخبوية” أو محدودة الانتشار، مثل سياحة المغامرات والسياحة الثقافية. ففي العقد الأخير، تحولت مغامرات مثل تسلق الجبال، التخييم في الصحراء، الغوص في الكهوف البحرية، أو استكشاف المسارات الوعرة في الغابات إلى تجارب جماعية جذابة بعد أن أصبحت تظهر بكثافة في منشورات المسافرين على وسائل التواصل.

كذلك الحال مع السياحة الثقافية، التي كانت سابقًا تستهوي المهتمين بالتاريخ أو الآثار فقط. اليوم، عندما تنتشر صور تجربة “العيش ليوم واحد كفلاح مصري”، أو التسابق لزيارة متحف مخفي اوسري  في المغرب، أو المشاركة في مهرجان ثقافي في جنوب إفريقيا،  حيث يتحول الفضول إلى رغبة، والرغبة إلى قرار، وهذا هو جوهر تأثير القطيع.

وبفضل المحتوى الرقمي المرئي الذي ينقل تجربة الغير، أصبح السائح يبحث عن “مغامرة فريدة شبيهة بتلك التي شاهدها”، أو عن “ثقافة جديدة يريد أن يستكشفها بنفسه كما فعل أصدقاؤه أو المؤثرون الذين يتابعهم”. وبهذا، يتحول السلوك الفردي إلى توجه سياحي عالمي.

ولكن ما النتيجة؟

النتيجه تضاعف أعداد السياح الذين يختارون وجهات المغامرة والوجهات الثقافية. فوفقًا لتقرير صادر عن Adventure Travel Trade Association، شهدت سياحة المغامرات نموًا سنويًا بمعدل 20% خلال العقد الأخير. أما السياحة الثقافية، فتمثل اليوم ما يقرب من 40% من السياحة الدولية، وفقًا لتقديرات منظمة السياحة العالمية (UNWTO)

ولكن كيف تستفيد المقاصد السياحية؟

لكي تستفيد المقاصد السياحية من عقلية القطيع، يجب أن:

  1. تدير السمعة الرقمية للمقصد بذكاء.
  2. تُحفّز الزوار على مشاركة تجاربهم الإيجابية.
  3. توظف المؤثرين والمراجعات والشهادات الشخصية.
  4. تخلق سردًا مشتركًا حول التجربة، بحيث يرغب الآخرون في الانضمام.
  5. تُظهر الأرقام بوضوح (عدد الزوار، التقييمات، المشاركات…) لتحفيز التقليد الجماعي.

باختصار، السياحة ليست فقط تجربة فردية… بل حالة جماعية تتشكل بفعل تفاعل الناس، صورهم، كلماتهم، وميلهم الفطري إلى الانضمام لما يبدو “الأفضل، والأكثر شيوعًا”.

فهل مصرنا العزيزة بمقوماتها السياحية جاهزة لأن تصبح الخيار الجماعي القادم؟!!

 

كاتب المقال
علاء خليفة
الخبير السياحي الدولي في مجال التسويق السياحي والفندقي.
محاضر في التحول الرقمي في قطاع السياحة والفنادق.
عضو المجلس السياحي المصري وعضو جمعية السياحة الثقافية.
ورئيس مجلس إدارة شركة خبراء الديجتال لادراه العمليات التسويقية الدولية بمصر والامارات.
رئيس مجلس اداره شركة EGY Trace العالميه
وعلى مدار أكثر من 35 عامًا، تدرج علاء خليفه في العديد من المناصب فى قطاع السياحة والتسويق وتنمية الأعمال في القطاع السياحي والفندقي ، وبفضل هذه الخبرة الطويلة والدراسة المتخصصة يضع خطط تسويقية وحلول استراتيجية لتسويق المقاصد العربيه والدولية و تحسين التجربة السياحية وتنفيذ حملات التسويق المشتركه والعلاقات العامة.

للتعرف وللمزيد من المقالات للكاتب  أدخل على الرابط التالى

الرئيسية

https://elmahrousanews.com/?s=%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%A1+%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9+