المنطقة الحرةأخبار عاجلة

“الباحث الدكتور حسنى أحمد مصطفى” يكتب لـ ” المحروسة نيوز ” : حتمية الدراسات المستقبلية كفعل وعلم اجتماعي متجاوز التخصصات

في يوم 9 يونيو، 2024 | بتوقيت 7:23 مساءً

فلسفة ” المستقبلية ” تعد فكرة تقدمية انسانية، ويعلل ذلك بأنها من ناحية اولى تدور حول رؤية الاشياء والظواهر والانظمة في حركتها إلى الامام، ولأنها من ناحية ثانية تقوم على اعتبار إنساني هام هو التجرد عن الذات الحالية والبحث في حياة القادمين حلاً لمشكلاتهم، والمستقبلية كفلسفة لها عدة محاور تبحث فيها وابرز هذه المحاور فكرة الزمن والاكتمال وقدرة العلم على التغيير الشامل والصدفة المفاجئة ودور كل من القوة الإلهية والارادة البشرية في تحريك التاريخ وموقع الانسان والارض من النظام الكوني والمسؤولية الاخلاقية والانسانية المتوارثة بين الاجيال ” صراع الاجيال “. 

     وفي سياقات تكييف المستقبلية كمجال معرفي علمي ظل الجدل محتدماً حول ماهية الدراسات المستقبلية وتكييف طبيعتها؛ حيث توزعت على مروحية عريضة من التباينات بين توجه يراها ” علم ” وآخر يصنفها ” فن ” وثالث يعتبرها في منطقة وسطى بين العلم والفن  بما يسمى ” دراسة بينية ” تتقاطع فيها التخصصات والمعارف، وثمة اتجاه آخر يُعد الدراسات المستقبلية  ” فعل وعلم اجتماعي متجاوز التخصصات “. 

    وتعرف الدراسات المستقبلية بأنها مجموعة من البحوث والدراسات التي تهدف الى الكشف عن المشكلات ذات الطبيعة المستقبلية والعمل على ايجاد حلول عمليه لها كما تهدف الى تحديد اتجاهات الاحداث وتحليل المتغيرات المتعددة للموقف المستقبلي والتي يمكن ان يكون لها تأثير على مسار الاحداث في المستقبل.

        وبعيداً عن الجدل بشأن أصل التسمية وماهية الدراسات المستقبلية؛ بمعنى هل يتعلق الأمر كونها فلسفة أو علماً أو فناً؟، فإن ما يهمنا في هذا السياق ما يتعلق بالدراسات المستقبلية ما يلي:  

1.    كونها ترسم خريطة كليانية للمستقبل وتعمل على بلورة الخيارات الممكنة والمتاحة.

2.    تساعد على التخفيف من الأزمات عن طريق التنبؤ.

3.    ترشد عمليات صنع القرار وتحث على زيادة المشاركة الديموقراطية في صنع المستقبل.

4.    تمنح المجتمعات اريحية كبيرة في الممارسة الديموقراطية الفاعلة والتشاركية.

5.    تحفز في المجتمعات الروح التفاؤلية بمنحى مستقبل واعد يساهم فيه المجموع في صنع القرارات وتقرير المصائر.

    وفيما تُصنف به الدراسات المستقبلية تصنيفا – علماً بينياً – باعتبارها فرعاً معرفياً جديداً ناتجاً عن حدوث تفاعلات بين تخصصين أو أكثر مترابطين أو غير مترابطين، حيث تتم عملية التفاعل من خلال برنامج التعليم والبحث بهدف تكوين ذلك التخصص، ودوماً تسلك الدراسات المستقبلية سبيلاً مفتوحاً يعتمد التفكير فيه على دراسة خيارات وبدائل كما انها شاملة ومنهجها متعدد التخصصات، فالدراسات المستقبلية مجال معرفي بيني Interdisciplinary متداخل ومفتوح على الابداعات البشرية التي لا تتوقف في الفنون والآداب والعلوم، وبالرغم من نموه المضطرد سيظل مفتوحاً للإبداع والابتكار. 

  وبكونها ” فعل وعلم اجتماعي متجاوز التخصصات ” يتضح من خصائصها:

1.    يتشارك المستقبليون العديد من الالتزامات الفكرية والتي تقوم على الاعتقاد بأهمية الفعل والقرار الانساني الواعي كوسائل للتحكم بالمستقبل الانساني، ويستهدف المستقبليون تغليف هذا الفعل والقرار بالتفكير المستقبلي، لذا يمكن اعتبار الدراسات المستقبلية ” علماً عملياً “.

2.    المعتقد الاساسي للعلم العملي هو تصوير الانسانية كمُشَكِل للفعل الانساني، لذا نظرية الفعل الانساني في قلب العلم العملي وهو يتميز – العلم العملي – بالخصائص الآتية:

‌أ.      اقتراحات إمبريقية غير مُؤكَدَة تنظم في شكل نظرية.

‌ب.  معرفة مستخدمة بواسطة الافراد.

‌ج.    بدائل للوضع الراهن توضح ما هو قائم بالفعل من جهة ومن جهة أخرى تدفع باتجاه تغيير جوهري؛ هذا في ضوء القيم التي يختارها الفاعلون الاجتماعيون.

3.    تقوم الدراسات المستقبلية على توجه نحو العمل ويمكن اعتبارها علماً حركياً بكل معاني الكلمة.

كل الاشياء لها مستقبل كما أن موضوعات الدراسة المحتملة متعددة بتنوع العوالم المعاشة فبذلك حقل المستقبليات يتشارك فيه كل من الموضوعات المتنوعة والخبرات المدربة وفي الحقول العديدة المختلفة.

4.    تشجع التوجهات العملية على أخذ الترابط المعقد للعالم في الحسبان بالإضافة إلى الشمولية عند تقييم نتائج الاعمال، وأي معرفة تعد ضرورية لبؤرة الاهتمام في اجتذابها من أي حقل يمكن التعويل عليه في تفسير الظاهرة موضع الدراسة.

5.    في اطار المجهودات الجماعية للحقول المعرفية المتنوعة تسعى الدراسات المستقبلية لإعادة ترتيب المعرفة والتخطي المستمر لعوائق الحقول العلمية التي سيدتها بنى الجامعات التقليدية والتي أصبحت عقبات حقيقية مثبطة لعزيمة اتخاذ القرار والعمل العقلاني.

6.    تنظر الدراسات المستقبلية إلى موضوعات متعددة وأنماط مختلفة للظاهرة فبذلك تميل إلى التعددية الثقافية في الممارسة.

7.    إن معرفة الكثير عن الكثير من الاشياء مهمة مهولة جداً والكثير يخفق في إنجازها بكفاءة، الآن في ظل عالم من المتخصصين وتخصصية المعرفة هناك دور هام يقوم به الشخص الذي يرى الرابط بين القضايا المختلفة ” يرى الكل وليس بعض الاجزاء “.

فضلاً عن ذلك؛ تتحدد الرؤية المتعلقة بمدخلات تشكيل المستقبل في النقاط التالية: 

1.    الاتجاهات الممتدة من الماضي إلى الحاضر والتي من المرجح أن يقترن بها في المستقبل ويستطيع الانسان التعرف اليها عبر توظيف مقاربات كمية.

2.    الحوادث الكبرى في الحاضر التي من المحتمل أن تنطوي على تأثير في المستقبل.

3.    الصور الذهنية التي يحملها الانسان/المجتمع والتي تفضي إلى أن تكون أنماط سلوكه حيال المستقبل انعكاساً لها.

4.    الافعال التي يقوم بها الانسان أو لا يقوم بها وهو في الحاضر.

    وفي هذا السياق الذي يحوي التعددية العلمية والتخصصية المعرفية ومجاوزة التخصصات فإن فروع الدراسات المستقبلية تعتبر بالضرورة من جوانب العلوم الاجتماعية، ومع أن المشروعات البحثية للدراسات المستقبلية تعني بموضوعات لا يبدو انها تنتمي للعلوم الاجتماعية للوهلة الاولى – على سبيل المثال التغيرات التكنولوجية – إلا أنها دائماً ما تهتم في مرحلة ما بالأثر الاجتماعي لمثل هذه التغيرات، فدائماً ما يتواجد الاهتمام بالآثار النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. 

    وفي إطار اتساع الدراسات المستقبلية للعلوم الاجتماعية فقد وضح برت راند دي جو فنال Bertrand de Juvenile أن المؤسسين لمنظمته البحثية ” المستقبليات ” هدفوا إلى حث العلوم الاجتماعية للنظر أكثر نحو المستقبل، كما ادعى فيرارتي Ferrarotti ” أن علم الاجتماع هو الحقل المركزي للدراسات المستقبلية؛ حيث أنه العلم الذي يدرس العلاقة النظامية التي تضبط الوظيفة الثابتة والتطور المتحرك للمجتمع “.

   وفي هذا الاطار يهتم المستَقبلون بصناعة علم اجتماعي أكثر ذكاءً واطلاعاً وفاعلية ومسؤولية، ومع ذلك قد ينسج هؤلاء احلامهم عن المستقبل لتوجيه هذا العمل وهم مجبورون في ذلك على الحقيقة بما يتطلب من تعريفات صادقة وصالحة عن الواقع المعاش ومعرفة صادقة وصالحة بالأسباب والتأثيرات، كما يتطلب أيضاً تأكيدات حول المستقبل الذي يضمنه هؤلاء الدارسون، لذلك فإن المستَقبليين يعملون كما العلماء من حيث محاولاتهم للإيفاء بكل المعرفة المطلوبة للدراسات المستقبلية، وخلال هذه العملية قد يعتمد المستقبلون كما غيرهم من العلماء في بعض الاحيان على فرضيات شرطية مغايرة للواقع ولكن تخمينهم ومراهناتهم على المستقبل اي ما كانت تخيلية أو حدسية يمكن أن تُختبر. 

.كاتب المقال 

الدكتور حسني أحمد مصطفى – باحث مستقبلي بوحدة الدراسات المستقبلية كلية الاعلام جامعة القاهرة

–      المراجع

–      بل، ويندل (2016): الدراسات المستقبلية وفلسفة العلم الحديث، ترجمة: أمنية الجميل ومحمد العربي، سلسلة أوراق، عدد 19، وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الاسكندرية، الاسكندرية. 

–      بلموند، فؤاد (2016): الدراسات المستقبلية ” الاسس الشرعية والمعرفة المنهجية لاستشراف المستقبل “، ترجمة: كمال طريشي، مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، عدد (1)، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات، قطر.

–      خلاف، هاني محمد (1412): المستقبلية بين المنهج العلمي والفكر الشرعي، مجلة المستقبلية، العدد (1)، المركز الاسلامي للدراسات المستقبلية، الفلاح للنشر، لبنان.

–      الرمضاني، مازن (2016): دراسات المستقبلات رؤية في اشكاليات المفهوم ومقاربات التوظيف، مجلة استشراف للدراسات المستقبلية، عدد 1، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطر.

–      منصور، محمد إبراهيم(20016): توطين الدراسات المستقبلية في الثقافة العربية ” الاهمية والصعوبات “، سلسلة أوراق، عدد (20)، وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الاسكندرية.

   

مقالات ذات صلة